ابن تيميه

59

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

البقيع ، وشهداء أحد وأمه . وقد يكون الزائر دون المزور كما في « صحيح مسلم » عن بريدة قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر ، فكان قائلهم يقول : « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء اللّه بكم للاحقون ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية » « 1 » . وفي حديث عائشة في الصحيح : « ويرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين » « 2 » . وفي حديث آخر : « اللهم لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنّا بعدهم » « 3 » . فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من جنس الدعاء في صلاة الجنازة ، وفي صلاة الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم أفضل من الذين صلّى عليهم . وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلّوا عليهم من غيرهم . وقد يكون المصلّى عليه أفضل ؛ كالنبيّ صلى اللّه عليه وسلّم لما مات وصلّى عليه المسلمون أفذاذا ، وهو أفضل من كل من صلّى عليه . وكذلك أبو بكر وعمر صلّى عليهما المسلمون وهما أفضل ممن صلّى عليهما . وأما الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار قبور سائر المؤمنين ، فإن أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر فإنه يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه ، والمحبة والمودة ، ما قد يكون أعظم مما لو كان غائبا . ولهذا شرعت الصلاة على قبره . واختلف العلماء هل تشرع على القبر مطلقا ؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد ، مع اتفاقهم على أنه لا يصلّى على قبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم . وذلك لعظم قدره وحقه ، لا لنقص ذلك ، فإن الناس مأمورون أن يحبّوه ويعظّموه ، ويذكروه ويذكروا ما منّ اللّه به عليه ، وما منّ به عليهم بسببه ، ويصلّوا عليه ويسلّموا عليه في كل مكان ، وأن لا يفعلوا ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر البقاع ، فإنه يفضي إلى نقص ذلك في سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند غيره . ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون أحد عند قبره في كل وقت ، لو كان مما يوصل إليه ، فكيف إذا كان محجوبا ؟ فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء ، يقتضي هضم ذلك ونقصه في سائر البقاع ، فينقص إيمانهم به وتوسلهم بالإيمان به ، ويفوتهم حظ عظيم من كرامة اللّه لهم بقيامهم بحقّه ، مع أن ذلك ذريعة إلى الشرك . فكان في تخصيص قبره بما يخصّ به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 975 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 974 ) . ( 3 ) انظر « الموطأ » ( 1 / 148 ) - 16 - كتاب الجنائز ، ( 6 ) باب ما يقول المصلي على الجنازة . و « سنن أبي داود » ( 3201 ) و « صحيح ابن حبان » ( 7 / 342 / 3073 ) و « أحكام الجنائز » ص 158 .